وهبة الزحيلي
20
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ثبت في الصحيحين : « سبعة يظلهم اللّه في ظله ، يوم لا ظل إلا ظله - فذكر منهم - : ورجل تصدّق بصدقة ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » و في حديث آخر : « والصدقة تطفئ الخطيئة ، كما يطفئ الماء النار » . وهذه مرتبة تعد ترجمانا عمليا للخصال السابقة ؛ لأن بذل المال شاق على النفس ، لمحبتها إياه ، وهي دليل على محبة الإنسان لأخيه ، فيساعده لينقذه من آفات الفقر والحاجة ، كما أن الصدقة تزكية للمال وتطهير له . 8 - الصوم فرضا ونفلا : وفيه تسأم روحي عن التعلق بالماديات ، والإقبال على عبادة اللّه ، ومن أكبر المعونة على كسر حدّة الشهوة ، كما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه عن ابن مسعود عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء » وهو أيضا تزكية للبدن ، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والصوم : زكاة البدن » أي يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا ، كما قال سعيد بن جبير : « من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر ، دخل في قوله تعالى : وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ . 9 - العفّة وحفظ الفروج عن المحارم والمآثم ، إلا عن المباح ، كما قال تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ [ المؤمنون 23 / 5 - 7 ] . ومن اخترق حرمة الفروج وزنى ، هان عليه اختراق حرمات الدين كلها ، ومن صان فرجه وعفّ نفسه ، كان من الطاهرين الأصفياء الذين استحقوا رضوان اللّه تعالى . ويلاحظ أن بين المرتبتين الأخيرتين تجانسا ، فالصّوام إشارة إلى الذين لا تمنعهم الشهوة الباطنية من عبادة اللّه ، والأعفّاء حفظة الفروج إشارة إلى الذين لا تمنعهم شهوة الفرج عن العبادة .